شيوا محبوبي: العزلة المفروضة تهدد حياة السجناء السياسيين وتمنع وصول أصواتهم
في ظل الحرب وتصاعد القمع، تحوّل قطع الاتصالات إلى وسيلة لإسكات السجناء السياسيين، ودعت المتحدثة باسم لجنة الإفراج عن السجناء السياسيين، شيوا محبوبي إلى مواجهة هذه العزلة عبر الحفاظ على تدفق المعلومات ونقل أصوات المعتقلين إلى الخارج.
شهلا محمدي
مركز الأخبار ـ مع بدء الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، امتدّ تأثير الصراع إلى الداخل الإيراني، حيث بدأت تداعياته تظهر بوضوح على الأوضاع الداخلية، وفي خضم ذلك وجد السجناء السياسيون أنفسهم في ظروف أشد قسوة مع ازدياد القيود المفروضة عليهم وتضييق الخناق على أي محاولة لنقل أخبارهم إلى الخارج.
منذ اندلاع الحرب، تصاعدت الضغوط على نشطاء المجتمع المدني والسجناء السياسيين، سواءً الحاليين أو السابقين، بالتزامن مع استمرار حملات الاعتقال، وفي تصريحات لمسؤولين ظهرت في مقاطع فيديو جرى خلالها الحديث عن "حرب داخلية" تستهدف النشطاء إلى جانب الحرب الدائرة على الجبهات، وخلال هذه الفترة، نُفّذت أحكام إعدام بحق عدد كبير من السجناء السياسيين، كما ارتفعت وتيرة الإعدامات في قضايا أخرى، بينها تهم تتعلق بـ "الحرب".
ورغم خطورة الأوضاع، لم تُنشر تقارير واضحة عن أوضاع السجناء منذ بداية الحرب، فيما تراجعت قدرة المنظمات على التوثيق بسبب انقطاع الإنترنت وقيود الاتصالات، ما أدى إلى توقف العديد من الحملات الحقوقية أو فقدانها فعاليتها، وفي هذا السياق كان لنا الحوار التالي مع المتحدثة باسم لجنة الإفراج عن السجناء السياسيين شيوا محبوبي، للحديث عن ظروف سجناء مثل وريشه مرادي وزينب جلاليان وغيرهم، وتأثير العزلة الإعلامية على أوضاعهم.
ما هي آخر التقارير التي لديكم حول وضع السجناء، خاصةً في ظل انقطاع الإنترنت وتقييد الوصول إلى المناطق الداخلية لإيران بشكل كبير؟
يسمح قطع الإنترنت أو تقييده للحكومة بتوسيع حملات الاعتقال دون رقابة، إذ يهدف هذا الإجراء أساساً إلى منع تسرب الأخبار إلى خارج البلاد، ويزداد الوضع تعقيداً بالنسبة للسجناء السياسيين، الذين يُحرم كثير منهم من أبسط حقوقهم، بما في ذلك التواصل مع عائلاتهم، وفي ظل هذه الظروف، تصبح أي محاولة لنقل المعلومات من داخل السجون محفوفة بالمخاطر وقد تؤدي إلى اتهامات إضافية.
كما تراجعت قدرة الحملات الحقوقية مثل حملة "الثلاثاء لا للإعدام"، على إيصال صوتها بسبب انقطاع الإنترنت وقيود الاتصالات، ورغم ذلك تتسرب أحياناً بعض الأخبار بصعوبة، مثل الاحتجاجات الأخيرة في سجن مهاباد على نقص الغذاء، لكن تبقى الصورة غير مكتملة، إذ يُرجّح أن احتجاجات وانتهاكات أخرى تجري دون أن تصل إلى العالم بسبب العزلة المفروضة على السجناء.
وأعلنت السلطة القضائية مؤخراً، في ظل الهجمات الجارية، أن أي تواصل مع وسائل الإعلام من قبل السجناء السياسيين أو عائلاتهم قد يُعرّضهم لاتهامات خطيرة قد تصل إلى الإعدام، ما يعكس تصاعداً كبيراً في مستوى الضغوط، وفي ظل هذه الظروف ازدادت القيود المفروضة على السجناء وعائلاتهم، بينما أدى انقطاع الإنترنت إلى تراجع كبير في تدفق المعلومات، الأمر الذي ضاعف من خطورة أوضاعهم.
ويواجه السجناء السياسيون، ومنهم من أمضى أكثر من عشر سنوات خلف القضبان، أوضاعاً غامضة في ظل غياب أي تقارير دقيقة عنهم، حتى قبل الحرب كان الكثير منهم محرومين من الرعاية الطبية اللازمة، إذ كانت قدرتهم على رؤية الأطباء أو الحصول على الأدوية محدودة للغاية، وغالباً ما كانوا يُحتجزون في ظروف صحية حرجة، اليوم ومع العزلة المفروضة، تتفاقم هذه المخاطر دون إمكانية معرفة ما يجري داخل السجون.
في ظل محدودية الوصول إلى المعلومات، يبرز تساؤل أساسي حول واقع السجناء السياسيين اليوم، وكيفية إيصال صوتهم خارج أسوار السجن.
تُعدّ الأوضاع الصحية للسجناء من أخطر القضايا المطروحة اليوم، إذ يواجه الكثير منهم تهديداً مباشراً لحياتهم في ظل نقص الغذاء والماء وحرمانهم من العلاج، وتتفاقم المخاطر بالنسبة للسجناء الذين يعانون أصلاً من أمراض مزمنة، مع غياب أي رعاية طبية مناسبة داخل السجون.
وتبرز في هذا السياق حالات مثل زينب جلاليان، أقدم السجينات في إيران التي تعاني منذ سنوات من مشاكل صحية دون أن تتلقى الحد الأدنى من العلاج، فيما لا تتوفر أي معلومات حديثة عن وضعها، كما تُحرم السجينة وريشه مرادي من الوصول إلى المراكز الطبية رغم حاجتها للعلاج، بعد تصنيف قضيتها كقضية أمنية، أما نرجس محمدي، التي خضعت سابقاً لعملية في القلب، فتواجه ظروفاً احتجازية تزيد من تدهور وضعها الصحي، خاصة بعد نقلها إلى عنابر تضم سجينات جنائيات.
ويشير مراقبون إلى أن حرمان السجناء من العلاج بات يُستخدم كأداة ضغط إضافية، خصوصاً بعد تشديد القيود تحت ذريعة ظروف الحرب، ما يجعل السجناء السياسيين في واحدة من أخطر المراحل التي مرّوا بها.
تزايدت المخاوف في إيران مع استمرار إصدار أحكام الإعدام، خصوصاً بحق المتظاهرين في كانون الثاني/ يناير الماضي، في وقت تتدهور فيه أوضاع السجون بشكل غير مسبوق، فقد بلغت القيود في بعض المرافق حدّ منع أبسط وسائل الوصول، فيما تصاعدت الضغوط على السجناء السياسيين وعائلاتهم، لاسيما بعد إعلان السلطة القضائية أن أي تواصل قد يعرضهم لاتهامات خطيرة تصل إلى حد الإعدام.
وفي ظل هذه الظروف، برزت دعوات لتوحيد الجهود وتشكيل صوت موحد لدعم السجناء السياسيين، إذ أطلقت حملات مناهضة لعقوبة الإعدام وأخرى للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وحظيت بتأييد واسع رغم محدودية تأثيرها بسبب انقطاع الإنترنت وتراجع تدفق المعلومات.
ورغم خطورة الوضع، لا تحظى قضية السجناء السياسيين باهتمام كافٍ في الإعلام الدولي أو في النقاشات السياسية، ما يجعل مسؤولية تسليط الضوء عليهم تقع على عاتق الرأي العام ونشطاء المجتمع المدني داخل إيران وخارجها، وتزداد أهمية ذلك في ظل غياب المعلومات عن العديد من المعتقلين، في وقت تعلن فيه وسائل الإعلام الرسمية يومياً عن اعتقال عشرات الأشخاص دون تفاصيل عن مصيرهم.
في ظل هذه الظروف المتصاعدة التي تشهدها إيران، يبرز سؤال ملحّ كيف يمكن إيصال أصوات السجناء السياسيين إلى العالم ومنع طمس قضيتهم؟
تتفاقم أزمة السجناء السياسيين في إيران مع استمرار الإعدامات وتدهور أوضاع السجون، في وقت تتراجع فيه تغطية وسائل الإعلام الدولية والفارسية لهذه القضية، ما أدى إلى تهميشهاً بشكل شبه كامل، ورغم تصاعد الحركات المناهضة للحرب، فإنها نادراً ما تتطرق إلى الانتهاكات الداخلية، بما في ذلك التعذيب والقمع والإعدامات، فيما تستغل بعض الجهات هذا المناخ لتمرير روايات رسمية تُربك المشهد الأخلاقي والسياسي.
وفي ظل هذا التعتيم، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه الخطاب نحو قضية السجناء السياسيين وضمان وحضورها في كل منبر إعلامي وسياسي بعيداً عن ثنائية "مع الحرب أو ضدها"، كما تزداد أهمية التواصل مع الرأي العام العالمي، ومنظمات المجتمع المدني، والبرلمانيين، للضغط من أجل تسليط الضوء على أوضاع السجناء، خاصة أن الحكومات لا تتحرك غالباً بدوافع إنسانية، بل تحت تأثير الضغط الشعبي والمؤسسات المستقلة.
وتعد الحملات الحقوقية القائمة نقطة انطلاق مهمة، شرط توسيعها ومنع إسكات أصوات السجناء، إذ إن الصمت يتيح للسلطات استخدام المزيد من العنف بما في ذلك الإعدامات، وفي ظل غياب القدرة على الاحتجاج داخل إيران وصعوبة نقل المعلومات، يصبح العمل الجماعي والمنسق ضرورة ملحّة لضمان عدم طمس هذه القضية وإبقائها في دائرة الاهتمام الدولي.
في مثل هذه الظروف، ما مدى أهمية نشر المعلومات؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون تزويد وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان بأسماء المحتجزين أمراً حيوياً للمجتمع، وخاصة للعائلات، حتى يتمكنوا من إيصال أصواتهم إلى الآخرين؟
تؤكد منظمات حقوقية أن نشر المعلومات يمثل الخطوة الأولى والأساسية في أي حملة للدفاع عن السجناء السياسيين، في ظل سعي السلطات المستمر لمنع تسريب الأخبار وإبقاء المعتقلين خارج دائرة الاهتمام العام. وتعمل لجنة الإفراج عن السجناء السياسيين يومياً على توثيق أسماء المعتقلين والتحقق منها، غير أن هذه الجهود تبقى رهينة تعاون العائلات رغم القيود الصارمة على الاتصالات والإنترنت داخل إيران.
ورغم صعوبة الظروف، تشير التجارب إلى أن العائلات ما تزال تجد طرقاً لإيصال صوتها عبر معارف في الخارج أو قنوات بديلة، وتواصل اللجنة ممارسة الضغط الإعلامي والقانوني من خلال نشر ما يتوفر من وثائق ومعلومات لضمان عدم تجاهل أوضاع السجون، وفي الداخل ورغم القيود الواسعة، لا تزال تظهر أشكال مختلفة من الاحتجاج والتعبير، إذ أثبت المجتمع الإيراني عبر عقود من القمع قدرته على ابتكار وسائل للمقاومة حتى في أكثر الظروف صعوبة.